منتدى بلدية الزيتونة

الرد على من أنكر حد الردة - لفضيلة الشيخ صالح الفوزان

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الرد على من أنكر حد الردة - لفضيلة الشيخ صالح الفوزان

مُساهمة من طرف إسماعيل في الجمعة سبتمبر 19, 2014 7:40 am

الرد على من أنكر حدَّ الردة












قد نتج عن القول بحرية الرأي إنكار حدِّ الردة لأنه يتعارض معها بزعم من يرى ذلك. قالوا ولأنه لم يرد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قتل مرتداً. قالوا ولأنه يتعارض مع قوله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ). قالوا ولأن حدَّ الردة لم يرد في القرآن. هذا حاصل ما وقفت عليه من تعليلاتهم لذلك. والجواب عن ذلك:


1- حدُّ الردة ثابت بإجماع الفقهاء. قال ابن قدامة في المغني (8-126) الرابع يعني من أحكام المرتد: أنه إذا لم يتب قتل - وهو قول عامة الفقهاء.


2- أن قتل المرتد فيه حفظ للعقيدة من العبث، لأن الشريعة تحفظ الضرورات الخمس - العقيدة والنفس والعرض والنسل والمال والأمن.


3- أما كون حدِّ الردة لم يُذكر في القرآن فقد جاء في السنَّة الصحيحة. مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من بدَّل دينه فاقتلوه" وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث - الثيِّب الزاني - والنفس بالنفس - والتارك لدينه المفارق للجماعة) وقد قال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)، وقد أمر الرسول بقتل من بدَّل دينه فوجب قتله.


4- أما قوله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) معناه أنه لا يكره أحدٌ على الدخول في الإسلام. وحدُّ الردة عقوبة على الخروج من الإسلام وليست لأجل الدخول فيه. لأن الذي دخل في الإسلام قد اعترف بأنه حق ثم تركه عن علم؛ فهو متلاعب بالدين فاستحق القتل على ذلك حماية للعقيدة عن العبث.


5- حرية الرأي تكون فيما للرأي فيه مجال ولا مجال للرأي في أمور العقيدة وأمور الدين. لأن هذه الأشياء مبناها على الإيمان والتسليم والانقياد.


6- حدُّ الردة حدٌّ من حدود الله لا يجوز تعطيله لأي اعتبار، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "ويم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"، وحدُّ الردة أعظم من حدِّ السرقة. والنبي صلى الله عليه وسلم منع الشفاعة في الحدود وشدَّد في ذلك.


7- أما أنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل مرتداً فجوابه أن الرسول ترك ذلك لمانع وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه".


وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.


 




كتبه



صالح بن فوزان الفوزان



عضو هيئة كبار العلماء




إسماعيل
Admin

عدد المساهمات : 831
تاريخ التسجيل : 18/12/2010

http://smail36.0wn0.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الرد على من أنكر حد الردة - لفضيلة الشيخ صالح الفوزان

مُساهمة من طرف إسماعيل في الجمعة سبتمبر 19, 2014 8:20 am

        حــــد الـردة
        والرد
        على المتطاولين

        كتبه:
        أبو عمار علي الحذيفي

        سئل الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز في "مجموع فتاوى": (سمعت في أحد البرامج الإذاعية في مقابلة مع أحد الأشخاص، بأنه لا يوجد أي دليل في القرآن الكريم، أو حديث شريف، أو فتوى دينية بإجازة قتل المرتد عن الإسلام، أرجو إفادتي عن صحة هذا ؟
        فأجاب: قد دل القرآن الكريم والسنة المطهرة، على قتل المرتد إذا لم يتب في قوله سبحانه في سورة التوبة: "فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم" فدلت هذه الآية الكريمة على أن من لم يتب لا يخلى سبيله.
        وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من بدل دينه فاقتلوه"، وفي "الصحيحين" عن معاذ رضي الله عنه أنه قال لمرتد رآه عند أبي موسى الأشعري في اليمن: "لا أنزل- يعني من دابته حتى يقتل. قضاء الله ورسوله".
        والأدلة في هذا كثيرة، وقد أوضحها أهل العلم في باب حكم المرتد في جميع المذاهب الأربعة، فمن أحب أن يعلمها فليراجع الباب المذكور، فمن أنكر ذلك فهو جاهل أو ضال لا يجوز الالتفات إلى قوله، بل يجب أن ينصح ويعلم، لعله يهتدي، والله ولي التوفيق) أ.هـ


        مقـــدمة:

        الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
        فلا يخفى ما يعانيه غالب مجتمعاتنا الإسلامية من تنحية الشريعة وغياب الحدود الشرعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يكتف بعضهم بهذه التنحية حتى أخرج لنا مقالاً ينكر فيه حد الردة ويزعم أنه خرافة بحجة أن القرآن لم يدل على حد الردة، ورد حديث ابن عباس في "صحيح البخاري"، فخالف بشذوذه هذا المتقدمين والمتأخرين، فما ندري أي المصيبتين أعظم علينا: أهي رده لحديث في "صحيح البخاري"، أم إنكاره لهذا الحد وقد تظافرت عليها النقول ؟
        وإن وضع المسلمين اليوم يدل على حاجة المجتمع إلى من يكتب في الدعوة إلى إقامة هذه الحدود وتطبيقها بين الناس لأنه دين الله الذي أمر به وفرض على الناس إقامته، ولاسيما بعد ظهور النتائج المريرة في المجتمع من جراء ترك هذه الحدود من ظهور الفواحش وفساد الأخلاق واختلال الموازين، لكن قوماً آخرين بدلاً من الدعوة إلى إقامة الحدود وتطبيقها بين الناس قاموا بتشكيك الناس في المسائل النظرية للحدود الشرعية التي لم يبق لها من الناحية العملية شيء إلا ما رحم ربك، وهذا يدل على جهل بالواقع والشرع معاً.
        وغاية ما احتج به هؤلاء أنهم زعموا أن حد المرتد لم يذكر في القرآن ! فليت شعري لنقل إن الأمر كذلك: فكان ماذا ؟ وماذا حصل ؟ ومن قال: إن المسائل لا بد أن تذكر في القرآن سوى أهل الأهواء والانحراف من مثل من يسمون أنفسهم بالعقلانيين، ولو كانت عندهم عقول ما تناقضوا ولا وضعوا أنفسهم في مثل هذه المواقف.
        ويتكون من عدة فصول:
        الفصل الأول: حقيقة الردة.
        الفصل الثاني: خطورة الردة في الإسلام.
        الفصل الثالث:وجوب قتل من ارتد عن الإسلام.
        الفصل الرابع: الرد على الشبهات حول حد المرتد.

        الفصل الأول: حقيقة الردة عن الإسلام:
        المبحث الأول: معنى الارتداد:
        الردة في اللغة هي الرجوع وهذا يكاد أن يكون باتفاقهم، وشرعاً: هي الرجوع عن دين الإسلام إلى الكفر طوعاً، وقد أشار غير واحد إلى نحو هذا منهم ابن قدامه في "المغني".
        والمرتد له حكم في الدنيا وحكم في الآخرة، أما حكمه في الدنيا فعزل زوجته عنه ومنعه من التصرف في ماله قبل قتله فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (من بدل دينه فاقتلوه).
        وأما حكمه في الآخرة فقد بينه الله تعالى بقوله: (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون).
        والردة تحصل بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام، ونواقض الإسلام التي تحصل بها الردة كثيرة، من أعظمها الشرك بالله تعالى فمن أشرك بالله تعالى فقد ارتد عن دين الإسلام قال تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء).
        وهذا يعني أنه يجب على المسلم أن يعقد في قلبه العزم على البقاء على الإسلام إلى الموت، لأن الإسلام لا يسمح له بالخروج عن الإسلام إلى الكفر.
        والردة واقعة وحاصلة في المجتمع الإسلامي خلافاً لمن نفى وقوعها ممن ينفي حصول الشرك في هذه الأمة ودخول بعض أفراد بل وجماعات من هذه الأمة في الشرك بعد الإيمان.
        قال تعالى: (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) وقال تعالى: (ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين) وقال تعالى: (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون0لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم).
        وهي أفحش أنواع الكفر وأسوأه، وقد قال شيخ الإسلام كما في "مجموع الفتاوى" (34/213): (وحكم المرتد شر من حكم اليهودي والنصراني).
        وقال رحمه الله كما في "مجموع الفتاوى" (2/ 193) في الرد على الاتحادية الباطنية: (ومعلوم أن التتار الكفار خير من هؤلاء فإن هؤلاء مرتدون عن الإسلام من أقبح أهل الردة، والمرتد شر من الكافر الأصلي من وجوه كثيرة) أ.هـ

        والمرتد له أحكام خاصة فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرث ولا يورث، بل يكون ماله فيئا لبيت مال المسلمين كما هو مبسوط في موضعه.

        المبحث الثاني: بماذا تكون الردة ؟:
        وتكون الردة بالقول أو الفعل أو الاعتقاد كما أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، إلا أن الكفر يكفي أن يقع بواحد منها، والإيمان لا يقوم إلا بالثلاثة جميعاً.
        قال النووي في "كتاب الردة" من "روضة الطالبين": (هي قطع الإسلام، ويحصل ذلك تارة بالقول الذي هو كفر، وتارة بالفعل).
        وقالت "اللجنة الدائمة" برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: (الردة هي الكفر بعد الإسلام وتكون بالقول والفعل والاعتقاد والشك).
        وينبغي أن يعرف أن هذه الأشياء يشترط فيها أن تكون صادرة من مكلف مختار، فلا تكفير إلا بعد توفر الشروط وانتفاء الموانع، فالردة لها ركنان الأول: الرجوع عن الإسلام، سواء كان ذلك بالاعتقاد، أو القول، أو الفعل، أو الترك كما تقدم.
        الثاني: الاختيار الذي يكون مبنياً على معرفة هذا القول أو العمل، بمعنى أن يقدم المرتد على شيء وهو يعلم أنه أمر كفري يخرجه عن الإسلام.

        المبحث الثاني: خطورة الحكم بالارتداد على المسلم:
        1- الحكم على المسلم بالردة:
        إن الحكم بالردة على مسلم أمر كبير تترتب عليه عدة مسائل كبيرة:
        منها: إخراجه من الإسلام، وهذا إن لم يكن صواباً فهو من أعظم أنواع الظلم.
        ومنها: أن تترتب عليه كثير من الأحكام مثل التفريق بينه وبين زوجته وإباحة دمه ومنعه من الانتفاع بأمواله.
        ومنها: حرمانه من حقوق المسلم على إخوانه وفضل الدعاء والاستغفار له.
        ومنها: ترتيب الخروج عليه إذا كان حاكماً.
        إلى غير ذلك من أمور تدل على خطورة الأمر فلذلك حذرت الشريعة من التساهل في إطلاق مثل هذه الأحكام وضيقته بقيود وقواعد خاصة في التكفير لا ينبغي تجاوزها وجعلت ذلك لأهل العلم خاصة.
        يقول فضيلة الشيخ الفوزان في "المنتقى": (الحكم بالردة والخروج من الدين من صلاحيات أهل العلم الراسخين في العلم، وهم القضاة في المحاكم الشرعية كغيرها من القضايا، وليس من حق كل أحد، أو من حق أنصاف المتعلمين، أو المنتسبين إلى العلم، والذين ينقصهم الفقه في الدين، ليس من صلاحياتهم أن يحكموا بالردة، لأن هذا يلزم منه الفساد، وقد يحكمون على المسلم بالردة، وهو ليس كذلك، وتكفير المسلم الذي لم يرتكب ناقضا من نواقض الإسلام فيه خطورة عظيمة، ومن قال لأخيه: يا كافر ! أو : يا فاسق ! وهو ليس كذلك، فإن هذا الكلام يعود على قائله، فالذين يحكمون بالردة هم القضاة الشرعيون، والذين ينفذون هذا الحكم هم ولاة أمور المسلمين، وما عدا هذا، فهو فوضى وشر) أ.هـ
        2- إقامة الحد عليه:
        إقامة الحدود من خصوصيات سلطان المسلمين فقط، فهو الذي يستدعي المرتد ويقيم عليه الحجة ويخبره بأن هذا العمل كفر يخرجه من الإسلام، ويستتيبه فإن أبى أقام عليه الحد، وليس لكل أحد أن يفعل هذا أو أن يقيم الحد، لأن هذا يلزم منه الفوضى والفساد، وانتشار الجرائم بحجة أن فلان أقام على فلان الحد بعد أن استتابه، ولا شك أن مثل هذا يؤدي إلى حدوث الثارات، وغيرها من الفتن.

        الفصل الثاني: خطورة الردة في الإسلام:
        المبحث الأول: مفاسد الردة:
        إن الشريعة لم تعتبر الردة حداً يعاقب عليه إلا لما تنطوي عليه الردة من المفاسد العظيمة والانحرافات الخطيرة، ويمكن تلخيص هذه المفاسد إلى أمرين أحدهما: المفاسد العائدة على المرتد، والثاني: المفاسد العائدة على المجتمع.
        1- المفاسد العائدة على المرتد:
        الأول: أن عمله يحبط كما قال تعالى: (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون).
        قال شيخ الإسلام كما في "مجموع الفتاوى" (4/ 257، 258): (وأما الردة عن الإسلام بأن يصير الرجل كافرا مشركا أو كتابيا: فإنه إذا مات على ذلك حبط عمله باتفاق العلماء كما نطق بذلك القرآن في غير موضع كقوله: "ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة" وقوله: "ومن يكفر بالإيمان فقط حبط عمله" وقوله: "ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون" وقوله: "لئن أشركت ليحبطن عملك").
        الثاني: خلود المرتد في النار كما قال تعالى: (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون).
        الثالث: لا يغفر الله للمرتد ولا يهديه، قال تعالى: (إن الذين امنوا ثم كفروا ثم امنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً).
        2- المفاسد العائدة على المجتمع:
        الأولى: الردة عن الإسلام انحراف عن دين الإسلام إلى دين آخر يتغير معه الولاء وتتبدل فيه المعتقدات وتتغير فيه الانتماءات، فالمرتد ينقل ولاءه إلى ولاء وانتماء آخر، ثم إن كونه ينتقل من دين الحق إلى دين آخر باطل معناه أنه في غاية السوء والانحراف الذي نفقد معه أي أمل في أن يكون عضواً صالحاً في المجتمع.
        الثانية: فتح المرتد الباب لغيره في الخروج من الإسلام، فقتله من باب حفظ الدين وأهله.
        قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوى" (20/102): (أما المرتد فالمبيح عنده هو الكفر بعد الإيمان، وهو نوع خاص من الكفر، فإنّه لو لم يقتل لكان الداخل في الدين يخرج منه فقتله حفظ لأهل الدين والدين، فإنّ ذلك يمنع من النقص ويمنعهم من الخروج عنه).
        والردة أسلوب يستعمله الأعداء في زعزعة المسلمين وتشكيكهم، وقد كان اليهود يستعملون هذا السلاح لحرب الإسلام وتشكيك المسلمين، فقد كان كبارهم يقولون لصغارهم: تظاهروا بالإيمان في أول النهار واكفروا آخره لكي يقول المسلمون: إن رجوعهم عن الدين بعدما دخلوا فيه دليل على عدم صلاحيته، يقول الله تعالى: (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون).
        والردة قد ح في الإسلام وشذوذ عن الجماعة، وتكثير لسواد الأعداء وإفشاء لأسرار المسلمين، وغير ذلك مما لا بتسع له المقام، والحاصل أن المرتد أساء إلى نفسه ودينه وأمته ومجتمعه.

        الفصل الثالث:وجوب قتل من ارتد عن الإسلام:
        المبحث الأول: الأدلة على وجوب قتله:
        وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك، وأمر به النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه، وأجمع عليه أهل العلم قاطبة:
        1- القرآن:
        الأول: قوله تعالى: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم).
        سئل الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز في "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة":
        (سمعت في أحد البرامج الإذاعية في مقابلة مع أحد الأشخاص، بأنه لا يوجد أي دليل في القرآن الكريم، أو حديث شريف، أو فتوى دينية بإجازة قتل المرتد عن الإسلام، أرجو إفادتي عن صحة هذا ؟
        فأجاب: قد دل القرآن الكريم والسنة المطهرة، على قتل المرتد إذا لم يتب في قوله سبحانه في سورة التوبة: "فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم" فدلت هذه الآية الكريمة على أن من لم يتب لا يخلى سبيله.
        وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من بدل دينه فاقتلوه"، وفي "الصحيحين" عن معاذ رضي الله عنه أنه قال لمرتد رآه عند أبي موسى الأشعري في اليمن: "لا أنزل يعني من دابته حتى يقتل. قضاء الله ورسوله".
        والأدلة في هذا كثيرة، وقد أوضحها أهل العلم في باب حكم المرتد في جميع المذاهب الأربعة، فمن أحب أن يعلمها فليراجع الباب المذكور، فمن أنكر ذلك فهو جاهل أو ضال لا يجوز الالتفات إلى قوله، بل يجب أن ينصح ويعلم، لعله يهتدي، والله ولي التوفيق) أ.هـ
        الثاني: قال الله تعالى: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله، فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير).
        وإليك بعض التفاسير التي فسرت معنى العذاب الأليم في الدنيا:
        1- قال شيخ الإسلام ابن تيميّة: (ولكونهم أظهروا الكفر والردة، لهذا دعاهم إلى التوبة فقال : "فإن يك خيرًا لهم وإن يتولوا" عن التوبة "يعذبهم عذابًا أليمًا في الدنيا والآخرة" وهذا لمن أظهر الكفر فيجاهده الرسول بإقامة الحد والعقوبة).
        2- وقال ابن الجوزي في "تفسيره": (قوله تعالى: "وإن يتولوا" أي يعرضوا عن الإيمان "يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا" بالقتل وفي الآخرة بالنار).
        3- وقال الشوكاني في "فتح القدير": ("وإن يتولوا" أي: يعرضوا عن التوبة والإيمان "يعذبهم الله عذابا أليماً في الدنيا" بالقتل والأسر، ونهب الأموال "و" في "الآخرة" بعذاب النار: "وما لهم في الأرض من ولي" يواليهم "ولا نصير" ينصرهم).
        2- أدلة السنة: عندنا من السنة عدة أحاديث نشير إلى ما نستحضره منها:
        الأول: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من بدل دينه فاقتلوه) رواه البخاري.
        والثاني: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) متفق عليه.
        وقد جاء معنى هذا الحديث عن عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسا بغير نفس) رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
        وقد جاء في بعض الطرق موقوفاً على عثمان.
        قال الشيخ الألباني في "الإرواء": (قلت: وإسناده صحيح على شرط الشيخين ولا يضره وقف من أوقفه لاسيما وقد جاء مرفوعا من وجوه أخرى كما يأتي).
        والثالث: عن عبد الله بن مسعود أيضاً رضي الله عنه قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا إذ دخل رجلان وافدين من عند مسيلمة فقال لهما رسول الله: (أتشهدان أني رسول الله ؟) فقالا له: أتشهد أنت أن مسيلمة رسول الله ؟ فقال: (آمنت بالله ورسله لو كنت قاتلا وافدا لقتلتكما) رواه أحمد والحاكم، وصححه شيخنا رحمه الله في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين".
        و قد جاء معنى هذا الحديث عن نعيم بن مسعود الأشجعي: (أما والله لو لا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما).
        قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين)، ووافقه ابن الملقن في "البدر المنير".
        والرابع: حديث ابن عباس: (أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه فينهاها فلا تنتهي ويزجرها فلا تنزجر قال: فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي صلى الله عليه وسلم وتشتمه فأخذ المغول (سيف قصير) فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها فوقع بين رجليها طفل فلطخت ما هناك بالدم فلما أصبح ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فجمع الناس فقال: أنشد الله رجلا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام فقام الأعمى يتخطى رقاب الناس وهو يتزلزل حتى قعد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ! أنا صاحبها كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي وأزجرها فلا تنزجر ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين وكانت بي رفيقة فلما كانت البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليها حتى قتلتها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا اشهدوا أن دمها هدر).
        رواه أبو داود والنسائي.
        قال الشيخ الألباني رحمه الله: (وإسناده صحيح على شرط مسلم).
        والخامس: قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل ابن خطل وقد كان مسلما ثم ارتد مشركا. "رواه ابن أبي شيبة".
        3- آثار الصحابة:
        وثبت قتل المرتد من فعل صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم وإليك بعضها:
        1- فعل أبي بكر رضي الله عنه عندما قاتل المرتدين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
        2- ومن ذلك أتي علي بن أبي طالب رضي الله عنه بزنادقة فأحرقهم بالنار كما جاء في "الصحيح"، وإنما أنكر عليه ابن عباس تحريقهم ولم ينكر عليه قتلهم.
        3- ولما قدم معاذ بن جبل على أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما إذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا ؟ قال: كان يهوديا فأسلم ثم تهود، قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله، فأمر به فقتل" رواه الشيخان.
        4- الإجماع:
        والحكم بقتل المرتد محل إجماع من المسلمين، فلم يقع في أصله خلاف، وإن حصل اختلاف في فروعه كالاستتابة ومدتها وأشياء أخرى.
        قال ابن عبد البر في "التمهيد": (وفقه هذا الحديث أن من ارتد عن دينه حل دمه وضربت عنقه والأمة مجتمعة على ذلك).
        وقال ابن المنذر: (وأجمع أهل العلم بأن العبد إذا ارتد، فاستتيب، فلم يتب: قتل. ولا أحفظ فيه خلافا).
        وقال ابن قدامة: (وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتدين).
        ويكفينا ذكر إجماع الصحابة على قتال المرتدين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يعرف أن أحداً خالفهم.

        المبحث الثاني: أدلة أخرى على قتل المرتد:
        وهناك أدلة أخرى تدل على قتل المرتد منها:
        1- أنه عاد إلى الأصل وهو الكفر فيباح دمه لأنه حرم بعصمة الإسلام كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) رواه الشيخان، وذلك يدعم القول بإقامة الحد عليه فإنه كافر مباح الدم إلا لمانع عارض من ذمة أو أمان أو نحوهما أو إذا أسلم، والمرتد خلع ثوب الإسلام الذي لبسه ليعود إلى أصل الإباحة فهو مطالب بالعودة إلى الإسلام أو القتل.
        2- وأيضاً فإن ترك إقامة الحد على المرتد معناه إقرار المرتد على جميع عقوده وفسوخه من الزواج والطلاق والبيع والشراء والتبرع والهبة والإرث والتوريث وغير ذلك.

        المبحث الثالث: شذوذ بعض العصريين:
        خالف بعض العصريين من فقهاء وغيرهم في حد المرتد، وانقسموا إلى عدة فرق:
        الفريق الأول: وهم الذين اهزموا أمام بريق الغرب الكاذب فأنكروا صراحة حد الردة جملة وتفصيلاً، واعتبروه مناف للحرية الشخصية على حد زعمهم.
        والفريق الثاني: أنكروا حد الردة أيضا لكن ليس ردا صريحاً وإنما حاولوا التخلص منه بأساليب ملتوية لكنها في الأخير مكشوفة، فتارة يقولون: إن الحديث الذي ورد فيه ليس متواترا، ولا يوجد في القرآن الكريم نص على عقوبة المرتد، وتارة يحاولون أن يعارضوا الحديث بمثل استدلالهم بقوله تعالى: (لا إكراه في الدين)، وتارة بغير ذلك.
        والفريقان قد قالوا بمثل ذلك تحت ضغط الحضارة الغربية على نفوسهم.
        الفريق الثالث: أقروا بحد الردة ولكنهم قالوا: هو ليس ملزماً، فهو من باب السياسة الشرعية، فإن شاء الحاكم أقامه، وإن شاء تركه.
        وهذا لا أصل له في الدين، ولا عند المتأخرين ولا المتقدمين.
        الفريق الرابع: أقروا بحد الردة، ولكنهم قالوا: لا يقتل المرتد إلا إذا دعا إلى كفره وحارب عليه، فإذا كانت ردته لا تتعداه فلا يقام عليه حد الردة،بمثل هذا يقول أمثال القرضاوي المنحرف.
        والحمد لله الذي جعل طائفة من أهل العلم يقرون بحد الردة حيث صدقوا به وقالوا: هو حق والعمل به مطلوب، وهؤلاء من بقوا مع ظاهر النصوص، فهؤلاء هم الصديقون نسأل الله أن يجعلنا منهم.

        المبحث الرابع: هل يستتاب ؟
        جمهور الفقهاء قالوا بوجوب استتابة المرتد قبل تنفيذ العقوبة فيه بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية هو إجماع الصحابة رضي الله عنهم.
        والفقهاء الذين قالوا بالاستتابة حددها بعضهم بثلاثة أيام، وبعضهم بأقل، وبعضهم بأكثر، واستثنوا من ذلك الزنديق، لأنه يظهر خلاف ما يبطن فلا توبة له، وكذلك من تكررت ردته وحصلت منه أكثر من مرة، وكذلك سابّ الرسول صلى الله عليه وسلم لحرمة رسول الله وكرامته فلا تقبل منه توبة وألَّف شيخ الإسلام ابن تيمية كتاباً في ذلك أسماه "الصارم المسلول على شاتم الرسول".

        الفصل الرابع: الرد على الشبهات حول حد المرتد:
        الشبهة الأولى: الاحتجاج بأن حد الردة لم يذكر في القرآن:
        والجواب من أوجه:
        الأول: أن عدم ذكره في القرآن ليس بقادح ولا يسقط العمل به لأن معظم الشريعة قامت على السنة، وقد أوضح العلماء هذا بما لا مزيد عليه، ولكاتب هذه المقال رسالة بعنوان: "مكانة السنة في الشريعة الإسلامية" نشرت في "شبكة سحاب".
        وهذا الوجه وحده كاف في نقض هذه الشبهة التافهة، ومما يدل على بطلان هذه الشبهة أن هذا لم يورده أحد من أهل العلم سوى بعض المتأخرين ممن فسدت عقولهم وأفكارهم وهم ليسوا من أهل العلم لا من قريب ولا من بعيد.
        والله تعالى لم يذكر في كتابه الكريم حد شرب الخمر وأنه يعاقب عليه وإنما ذكر تحريمه، ولم يذكر أن عقوبته أربعون جلدة أو ثمانون جلدة، لكن هذا لم يكن مانعاً من ذكر العلماء لحد الخمر في كتب الحدود لأن السنة وردت به والسنة حجة كالقرآن عند أهل العلم بل عند المسلمين كلهم.
        وكذلك ليس هناك دليل على أن الإيمان بالقدر من أركان الإيمان الستة، وإن كان القرآن قد دل على وجوب الإيمان بالقدر كما في قوله تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر) وقوله تعالى: (وخلق كل شيء فقدره تقديرا) وأمثالها من الآيات، لكن لم تذكر الآية أنه من أركان الإيمان، وإنما أشارت الآية إلى غيره من الأركان كقوله تعالى: (ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً) فهل يؤمن هؤلاء الصحفيون بأركان الإيمان الستة أو أن أمزجتهم لا تقبل هذا ؟
        الثاني: أن القرآن يشير من إلى حد المرتد فلا يحتج أحد بعدم وروده في القرآن، وقد تقدم الكلام على ذلك.
        الثالث: أن ذكر القرآن الكريم لحد القتل قصاصاً يدل بالأولوية على حد الردة، لأن حفظ الدين أولى من حفظ النفوس.
        الشبهة الثانية: إن الإسلام يقرر حرية اختيار الدين، فالإسلام لا يكره أحداً على أن يعتنق أي دين يقول الله تعالى: (لا إكراه في الدين):
        أما الآية وهي قوله تعالى: (لا إكراه في الدين)، فهي في الكافر الأصلي الذي لم يدخل الإسلام أصلاً، وقد جاء في تفسير هذه الآية قولان للمفسرين:
        أحدهما: أنها منسوخة بآيات القتال، فلا تكون معارضة للحديث، وعلى القول بنسخها فإنه يكره جميع الكفار على الإسلام.
        والقول الثاني: أنها محكمة غير منسوخة، وأنها نزلت في اليهود والنصارى والمجوس، وهم من تؤخذ منهم الجزية، وأنهم لا يكرهون على الإسلام إذا بذلوا الجزية، وأما المشركون والكفار فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو يقاتلون، لأنهم الذين نزل فيهم قوله تعالى: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين)، وهذا قول أكثر المفسرين، وهو قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه وآخرين منهم: سعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وقتادة والحسن والضحاك.
        وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن هذه الآية نزلت فيمن دخل اليهودية من أبناء الأنصار أنهم لا يكرهون على الإسلام. رواه أبو داود في "سننه".
        وهذا القول رجحه شيخ المفسرين ابن جرير الطبري، وعلى القول بأن الآية على عمومها فالمرتد مخصوص من الآية.
        وسئل الشيخ الفوزان في "المنتقى": (ما مدى صحة الحديث القائل: "من بدل دينه فاقتلوه" رواه الإمام البخاري في "صحيحه" من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وما معناه وكيف نجمع بينه وبين قوله تعالى: "لا إكراه في الدين) وبين قوله تعالى: "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" وبين الحديث القائل: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل" وهل يفهم أن اعتناق الدين بالاختيار لا بالإكراه ؟
        فأجاب بقوله:
        أولا: الحديث "من بدل دينه فاقتلوه" حديث صحيح رواه البخاري وغيره من أهل السنة بهذا اللفظ: "من بدل دينه فاقتلوه".
        وأما الجمع بينه وبين ما ذكر من الأدلة فلا تعارض بين الأدلة ولله الحمد، لأن قوله صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه" رواه البخاري في "صحيحه" من حديث ابن عباس رضي الله عنهما" في المرتد الذي يكفر بعد إسلامه فيجب قتله بعد أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وأما قوله تعالى: "لا إكراه في الدين" فلا تعارض بين هذه الأدلة، لأن الدخول في الإسلام لا يمكن الإكراه عليه، لأنه شيء في القلب واقتناع في القلب، ولا يمكن أن نتصرف في القلوب وأن نجعلها مؤمنة، هذا بيد الله عز وجل هو مقلب القلوب، وهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء سبحانه.
        أما المرتد فهذا يقتل، لأنه كفر بعد إسلامه، وترك الحق بعد معرفته، فهو عضو فاسد يجب بتره، وإراحة المجتمع منه، لأنه فاسد العقيدة ويخشى أن يفسد عقائد الباقين، لأنه ترك الحق لا عن جهل، وإنما عن عناد بعد معرفة الحق، فلذلك صار لا يصلح للبقاء فيجب قتله، فلا تعارض بين قوله تعالى: "لا إكراه في الدين" وبين قتل المرتد، لأن الإكراه في الدين هنا عند الدخول في الإسلام، وأما قتل المرتد فهو عند الخروج من الإسلام بعد معرفته وبعد الدخول فيه.
        على أن الآية قوله تعالى: "لا إكراه في الدين" فيها أقوال للمفسرين منهم من يقول: إنها خاصة بأهل الكتاب، وأن أهل الكتاب لا يكرهون، وإنما يطلب منهم الإيمان أو دفع الجزية فيقرون على دينهم إذا دفعوا الجزية، وخضعوا لحكم الإسلام، وليست عامة في كل كافر، ومن العلماء من يرى أنها منسوخة.
        ولكن الصحيح أنها ليست منسوخة، وأنها ليست خاصة بأهل الكتاب، وإنما معناها أن هذا الدين بين واضح تقبله الفطر والعقول، وأن أحدا لا يدخله عن كراهية، وإنما يدخله عن اقتناع وعن محبة ورغبة، هذا هو الصحيح). أ.هـ مختصراً.
        الشبهة الثالثة: أن المرتد يقتل إذا كان معتدياً محارباً، وهذه هي الردة المغلظة لا الردة المجردة:
        والجواب من أوجه:
        الأول: أن هذا القيد لم ينزل الله به من سلطان، ولا دليل عليه من الكتاب أو السنة مع القائل، وعمومات النصوص تدل على خلاف هذا.
        الثاني: أن هناك من قتل بحد الردة لأنه كفر كما فعل علي وغيره، وكما فعل الرجل الأعمى.
        الثالث: أن حد الردة واجب للردة نفسها لا لشيء آخر غيرها، سواء كان مستقلاً أو يكون قرينها في التسبب بالقتل، ولذلك علق رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم بمجرد التبديل فقال: (من بدل دينه فاقتلوه) رواه البخاري.
        قال شيخ الإسلام رحمه الله في "الصارم المسلول":
        (الردة على قسمين: ردة مجردة، وردة مغلظة شرع القتل على خصوصها، وكلتاهما قد قام الدليل على وجوب قتل صاحبها، والأدلة الدالة على سقوط القتل بالتوبة لا تعم القسمين، بل إنما تدل على القسم الأول - أي : الردة المجردة -، كما يظهر ذلك لمن تأمل الأدلة على قبول توبة المرتد، فيبقى القسم الثاني - أي: الردة المغلظة - وقد قام الدليل على وجوب قتل صاحبه، ولم يأت نص ولا إجماع بسقوط القتل عنه، والقياس متعذر مع وجود الفرق الجلي، فانقطع الإلحاق، والذي يحقق هذه الطريقة أنه لم يأت في كتاب ولا سنة ولا إجماع أن كل من ارتد بأي قول أو أي فعل كان فإنه يسقط عنه القتل إذا تاب بعد القدرة عليه، بل الكتاب والسنة والإجماع قد فرق بين أنواع المرتدين).
        ومن هنا يتبين أن تقسيم الردة إلى قسمين: ردة مجردة وردة مغلظة تقسيم صحيح باعتبار أن الردة المغلظة لا يعفى عن صاحبها كما يظهر من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وليس المراد من هذا التقسيم حصر إقامة الحد بصاحب الردة المغلظة فقط.
        الشبهة الرابعة: أن حديث: (من بدل دينه فاقتلوه) ليس نصا في ردة المسلم, وإنما هو عام في كل رجل بدل دينه، كما لو بدل يهودي دينه إلى النصرانية، بل من يشمل من خرج من الكفر إلى الإسلام.
        والجواب من وجهين:
        الأول: أن الحديث لا يتناول إلا المسلم الذي خرج من دينه ودخل في الكفر، لأن دينه الإسلام هو الدين الحق وغير دين الإسلام باطل، فإن الله يقول: (ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب) ويقول: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق) ويقول: (إن الدين عند الله الإسلام) وقال الله: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم) فسمى الله ما هم عليه أهواء وليست ديناً فلم يقل: (ولئن اتبعت دينهم) لأن دينهم باطل، وإن أطلق على عقائدهم في بعض المواضع أنه دين باعتبار ما يظنونه.
        وعليه فالحديث مقتصر على من خرج من الإسلام، ولا يشمل من خرج من دين مبدل إلى آخر، وفهم سلفنا الصالح لهذا الحديث وغيره يدل على ذلك.
        قال الحافظ في "فتح الباري": (فوضح أن المراد من بدل دين الإسلام بدين غيره لأن الدين في الحقيقة هو الإسلام قال الله تعالى ان الدين عند الله الإسلام وما عداه فهو بزعم المدعي) أ.هـ
        وقد جاءت رواية قد أخرجها الطبراني في "الكبير" من حديث ابن عباس مرفوعا: (من خالف دينه دين الإسلام فاضربوا عنقه).
        فصرح بدين الإسلام، لكن قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": (رواه الطبراني وفيه الحكم بن أبان وهو ضعيف).
        الثاني: حتى لو قلنا بالعموم فإن القول بالعموم لا يسقط الحد، فإنه لم يعتبر أحد أن عموم الحديث سبب لترك العمل به، وقد ذهب بعضهم إلى تعميم الحديث وأوجب من خرج من أي دين إلى أي دين وهذا هو قول لمالك، وإن لم يكن هو الصواب.
        قال ابن عبد البر في "التمهيد": (وأما من خرج من اليهودية أو النصرانية أو من كفر إلى كفر فلم يعن بهذا الحديث، وعلى قول مالك هذا جماعة الفقهاء...وحكى عنه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أن الذمي إذا خرج من دين إلى دين كان للإمام قتله بظاهر الحديث والمشهور عنه ما قدمنا ذكره من رواية المزني والربيع وغيرهما عنه).
        فذهب بعضهم إلى تعميم الحديث ولم يقل أحدهم إن تعميم الحديث مانع من القول به.
        والخلاصة:
        الأول: أن حد المرتد حق دلت عليه دلالات الكتاب والسنة، ويعلم هذا من كان منصفاً، ولو فرضنا أن السنة وحدها دلت على حد المرتد لم يكن هذا سبباً في رد حد المرتد.
        الثاني: أن المرتد حده القتل إذا استتيب فأبى أن يعود لأنه أساء إلى نفسه ودينه ومجتمعه ولم يظلمه أحد وإنما ظلم نفسه، والمصلحة المترتبة على قتله أعظم من المفسدة لأن قتله يترتب عليه حفظ كيان المجتمع المسلم وصيانة رأس ماله.
        هذا وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

        كتبه: أبو عمار علي الحذيفي.
        عدن/ اليمن.
        صفر / 1431 هـ

http://wahyain.com/forums/showthread.php?t=1086
 

إسماعيل
Admin

عدد المساهمات : 831
تاريخ التسجيل : 18/12/2010

http://smail36.0wn0.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى